تنافيذ إمامية
التنافيذ هي الأوامر المُطلقة من الإمـــام إلى جميــــع العُمــــال (عمال النواحي أو القضوات) في إنفاذ العساكر على الرعية؛ لأسباب عديدة، قد تكون قضائية مُتصلة بحق المواطنين أنفسهم، أو إدارية مُتصلة بحق الدولة، والأخيرة هي الأغلب، وتتمثل بالجبايات التعسفية التي تختلف أنواعها، وتتعدد مُسمياتها، وكل ضريبة تُفرض على الرعوي يُنَفذ عليه العامل - أو من يقوم مقامه - عسكريًا أو اثنين أو ثلاثة، بحسب قِلة المُراد جبايته أو كثرته.
ضيافة مُنهكة
هناك تنفيذ مُؤقت، حيث يَكتفي العسكري المُنفذ بإحضار المطلوب ضبطه أو إشعاره، والعودة بعد يوم أو يومين إلى عند الجهة المُرسلة، وبعد الحصول على الأجر المعلوم، ولوازم الضيافة.
وهناك تنفيذ البقاء، وهو مُرتبط - كما سبق أنْ أشار الباحث المسعودي - بالخِطاط، حيث يبقى العسكري أو العساكر المُنفذين في منزل الرعوي مدة أطول، حتى يستجيب هذا الرعوي أو ذاك لطلبات السلطات.
وعن تنفيذ البقاء قال الدكتور عبدالرحمن البيضاني: «فعندما يتأخر أحد الرعايا من القسم الشافعي عن تسليم الزكاة المفروضة عليه، يُرسل إليه الإمام - يقصد عُمال الإمام - عددًا من هؤلاء الجنود ليحتلوا بيته.. وينهبوا طعامه وشرابه.. ويناموا على فراشه.. حتى ولو كان غائبًا.. ويستمر ذلك إلى ما يشاء الله..».
بمُجرد أنْ يستلـــم العسكري المُترقب أمــــر التنفيـــذ (وهي ورقة يُحررها المُوظف المسئول عن إدارة تلك الجهة)، يأمر العامل بقطع راتبه، ونفقته اليومية؛ لأنَّه سيكون ضيفًا على الرعوي المسكين، الذي صار بحلول هذا الضيف الثقيل أضيع من يتيم، وأعجز من أرملة، وقد تحدث الأستاذ أحمد محمد نعمان بإسهاب عن تفاصيل تلك المُعاناة، حيث قال: «يأخذ الجندي الأمر بيده، ويؤم منزل الفلاح المُنفذ عليه، وإذا وصل إليه، فلا تحية، ولا استئذان، ولا استئناس».
وأضاف: «وإنْ وجد - يقصد العسكري - الباب مَفتوحًا دخل، وإنْ كان مُغلقًا لا يُنادي أحدًا قط؛ بل يتناول بندقيته المُعَترضة على كتفه، فيضرب بها الباب ويشقه نصفين، أو يكسر قفله ويدخل، وقد يكون السكان نائمين أو مكشوفين، فللناس في بيوتهم حالات، أما الأطفال فلا تسمع إلا صياحهم وعويلهم..».
وأردف: «لا يكتفي الجندي بكسر الباب؛ بل هناك سب وشتم بصوتٍ عالٍ غليظ من حين يدخل باب المنزل، وتلك هي تحيته لأخيه المسلم.. وتراه يطوف غُرف المنزل إنْ كان فيه عدة غرف ليختار ما يوافقه، ولا يمر على شيء أمام عينه فيعجبه إلا اختطفه، ثم لا يكاد يستقر حتى يطلب مذبوح، وقات، وتتن، وسمن، وهذه التحية الأخرى.. يُعدد الجندي هذه المطالب، والزوجان واقفان يتلقيان الأوامر، والذعر مستولٍ عليهما، ويملأ قلبيهما وعقليهما، ثم يتسللان للخروج هائمين في القرية يتطلبان الضيافة المُفروضة المحتمة، لأنَّ ما عندهما لا يوافق العسكري، أو لعلهما لا يجدان شيئًا، وقد يكونان باتا مع أولادهما على الطوى لشدة الفقر الذي عمَّ البلاد، عند حصولهما على تلك المطالب يعودان إلى منزلهما للطبخ والخدمة، وتهيئة الزاد للحاكم بأمره المطلق التصرف، والويل لهما إنْ تأخرا قليلًا، أو نقص جزء من الأنواع المطلوبة».
وأضاف الأستاذ أحمد محمد نعمان: «وإذا جاء وقت النوم لا يرضى إلا بالغرفة الخاصة بالفلاح وأهله وأولاده، فيتنازلون عنها، ويقصدون إصطبل البهائم بين أرواثها وأبوالها، إذ لا يمكن خروجهم من المنزل إلى بيوت الجيران، فقد يحتاج حضرة الجندي شيئًا في أثناء الليل، أو يسهر، ويحتاج من يسهر إلى جانبه لتعميرة البوري، وتبديل المداعة، ولا يكاد الصبح يُسفر حتى يقوم الفلاح وزوجته لتهيئة الفطور؛ لأنَّ تأخيره يجلب عليهما مُرَّ العذاب، كل هذه الضيافة مُقدمة على إفهام الرعوي سبب التنفيذ عليه؛ بل لا يمكنه السؤال عن ذلك حتى ينتهي من الضيافة، وإنما ينتظر من العسكري أنْ يبلغه، والعسكري كما ترى غير مُفكر بالرجوع إلى المركز؛ لأنَّه يكتسب من وراء بقاءه الأكل اللذيذ، والنوم الهنيء، والفراش الوطيء، والنقد الكثير!».
ضريبة مسافة
وغير تلك الضيافة المُنهكة، هناك مال واجبٌ دفعه كأجرة لهذا الضيف الثقيل، تُقدر بطول وقُصر المسافة التي قطعها، وهذه يطلق عليها (ضريبة مسافة)، ثم تأتي بعد ذلك (أجرة الممسا)، والأخيرة ضريبة ليلية يدفعها الرعوي للعسكري مدة إقامته عنده، وتتفاوت هذه الأجرة من شخص لآخر، فإنْ كان المُنفذ عسكريًا فله قدر معلوم، وترتفع إنْ كان عريفًا أو نقيبًا، وتتضاعف إنْ كان قاضيًا أو سيدًا علويًا!
وتقدير هذه الأجرة يرجع في الأول والأخير للشخص المُنفذ، إنْ شاء عدل، وإنْ شاء جار، ولا يستطيع الرعوي - كما أفاد الأستاذ النعمان - أنْ يُبدي رأيًا أبدًا؛ بل لو ظهر منه أقل خلاف بادره العسكري بالصفع على قفاه، وَكَتَّفه، وساقه أمامه - إلى مركز الناحية - كالماشية.
ومن أعظم المصائب أنَّه قد يجتمع على هذا الرعوي عدة تنافيذ، فالعامل له حق التنفيذ، والحاكم مثله، والموظف في المالية، ومأمور البقية، والمشايخ، والعرايف، وهكذا دواليك، وما على الرعوي المسكين إلا أنْ يستقبل ويدفع! وسبق للشيخ حسين بن عبدالله الوصابي أنْ عرج في قصيدة ناقدة لحكم الإمام يحيى على سلوكيات هؤلاء العساكر المُنفذين، وغيرهم، حيث قال:
سلـبٌ وهتــــك ثم أخـذ جبـايــة مـا أنـــزل الله بهـــا مـن حـــاكم والكسر للأبـواب ثـــم دخــولهـم فوق الـحريم فلا ترى من حاشم منها البـقا للطـائـفـيــن وحزبـهم والأمر والـمـمــسى بـأمر جـازم
التخمين
وللتنافيذ عدة أنواع، نذكر منها:
- الاحتساب: وهي أنْ يُشجع العامل بعض أشرار الرعية للاحتساب على الشيخ الفلاني؛ بدعوى أنَّه لم يُسلم حُقوق بيت المال للسنة الفلانية، فيتم بموجب ذلك تنفيذ العساكر على القرية أو العزلة، ويعم الضرر المنطقة برمتها لا الشيخ المعني.
- القبض: وهو أنْ يختار العامل مجموعة من المُوظفين الحكوميين، ثم يقوم بإرسالهم وبصحبتهم مجموعة من العساكر إلى القرى الواقعة على ضفاف الأودية والغيول، التي تشتهر أراضيها بالزراعة على مدار العام، وتتركز مهمتهم في تقدير مَداخيل الفلاحين من تلك الأراضي، وقبض ضرائبها؛ ولهذا سموا بـ (القباضين)، وهناك من يسميهم بـ (المُقصبين)؛ نسبة إلى (قصبة)، وتعني قطعة أرض صغيرة لا تتعدى مساحتها عدة أمتار مُربعة.
- التخمين: والمقصود به تخمين غلة السنة وتقديرها قبل موعد القطاف! ويطلق على من يتولوا هذه المهمة تسمية (مخمنين)، وهم طائفة من القضاة والفقهاء، مشهورين بعمائمهم البيضاء، والأكمام الواسعة، والمسابح الطويلة، يدعون الأمانة، وأنَّهم أحق بالخرص من غيرهم، يخرجون كل سنة إلى أرض الرعية، وبصحبتهم عَشرات العساكر، ولا هدف لهم إلا نهب الأموال، والتَنعم بمُقتضيات الضيافة عند هذا الرعوي أو ذاك.
ولإيضاح هذه الصورة السوداوية أكثر، أترككم مع ما قاله الأستاذ أحمد النعمان عن هؤلاء المُخمنين: «إن العامل ليدعو هؤلاء المخامنة إليه، ويأخذ منهم العهود والمواثيق بعدم مجاوزة الحق، وأنْ يكون رائدهم العدل والإنصاف، ثم يُحرر بيد كل واحد أمرًا بالتخمين، ويعين بجانبه بعض العسكر ليتكسبوا جميعًا، ويخترفوا في بيوت الفلاحين، ولا يكاد يصل الخراص محل عمله حتى يلتف الناس حوله، كلٌ يدعوه إلى منزله، ويواسيه، ويتقرب إليه بالهدايا كي يرفق به ويعدل، وهو يتظاهر أمامهم بالورع والتقوى، والعدالة والإنصاف، ويمنيهم الأماني، ويهمس بأذن كل واحد بمفرده، ويضرب له على صدره، ويذم الحكومة بينهم، وأنَّها ظالمة لا ترحم الرعوي، ولا تعطف عليه، وهكذا يضحك على عقول البله المساكين، ويستدر الرشوة بجميع جوارحه، حتى إذا ملأ جِرابه، أرسل نظره على المـَـزارع، وسجل في دفتره مقدارًا يَعرف أنَّه يرضي الموظف الذي عينه للتخمين، ويكسب به ثقته وحسن ظنه، لأنَّه يعرف أنَّ الحكم بيده، وليس للرعية شيء».
وإذا طغى أحد هؤلاء المُخمنين في تقدير المبالغ المطلوبة، عززه العامل (عامل الناحية أو القضاء) بـمُخمن آخر، ومعه عددٌ من العساكر، ويسمى هذا بـ (الكاشف)، فإنْ قرر الأخير ما قرره الأول، عُزز بـ (كاشف الكاشف)، وعلى الرعية في جميع الحالات توفير الإعاشة لهم، ودفع أجرتهم.
وفي المُحصلة المأساوية فإنَّ القصد من إرسال الكاشف وكاشف الكاشف فتح سبب للإعاشة ينتفع به هؤلاء لا أكثر، وعن طبيعة عمل هؤلاء قال الأستاذ النعمان: «فإنَّه - أي الكاشف - يتبع سنن من قبله شبرًا بشبر، ويمثل الدور الذي مثله سلفه سواءٌ بسواء: ضيافة ثقيلة، ورشوة مُضاعفة، وقد يضع تقديرًا لغلات الأرض أعظم من تقدير المخمن، لينال حظوةً عند الموظف الذي قلده هذا المنصب العظيم».
فرق الغزالي وفي ذات السياق هناك رجال الدين (المرشدون)، وعمل هؤلاء كان إلى عمل المُتنفذين أقرب، فهم يأخذون من المواطنين أموال نظير قيامهم بالإرشاد الديني، وتعليم الناس أمور دينهم، وكانوا يتقاضون بمساعدة شيخ المنطقة من اثنين إلى خمسة ريالات على كل مواطن. وفي ناحية القبيطة مثلًا، ظل المواطنون - كما أفاد الأستاذ سلطان أحمد عمر - قبل قيام الثورة السبتمبرية يدفعون فِرقًا سنويًا استمر لمدة عشر سنوات، سُمي بـ (فرق الغزالي)، والأخير المُرشد الديني الذي كان يمر عليهم كل عام.
وعن هذا الغزالي نشرت صحيفة (الفضول) رسالة لأحد قرائها رمز لنفسه باسم (أغبري ابن أغبري)، عنوانها: (الفقيه الغزالي الذي يعلم الصلاة، ويسرق نقود العجائز، ويخزن القات إلى بعد العشاء)، وقال فيها: «يعرف الكثيرون من الناس بأنَّ الفقيه علي الغزالي قد خرج من سجن شبكة تعز، وقد ظل فيها خمس سنوات مسجونًا كمجرم.. وعلى إثر خروجه ظل يطلب من الحكومة عملًا يرتزق منه، فعينته مُرشدًا، يعلم النساء الصلاة، وعلى ظهر بغلته، ومن قرية إلى قرية، ووراء جنديان بالسلاح، لا عمل لهما عند وصول المرشد وبغلته إلى أي قرية إلا أنْ يتقاضايا من العجائز النقود للمرشد باسم حق الصلاة، وما تكاد بغلته تهل بطلعتها البهية على أي عزلة أو مكان أوقرية، إلا بالعاقل أو العريف يجمع من النساء للمرشد نقودًا باسم حق الصلاة».
وأضاف الأغبري: «وقد وصل مُؤخرًا إلى الأغابرة، ولا عمل له إلا الأكل وتخزين القات إلى بعد صلاة العشاء، وإرساله الجنود لجباية حق الصلاة من العجائز والشيوخ والعميان والمُكرضحين.. أما القادرون على السير من الشباب والكهول والأطفال فقد غادروا قراهم إلى الخارج جريًا وراء لقمة العيش، مع أنَّ الغزالي معروف بأنَّه هو نفسه بحاجة إلى من يُعلمه الصلاة!».
وقد علق عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول) على تلك الرسالة قائلًا: «لا ندري والله أي بقعة في العالم - غير بلادنا - يخرج فيها المجرم من السجن بشهادة تؤهله للتبشير بالدين، وتعليم الصلاة».
وضع بائس
وفي موضوع شبه مُتصل، كان العساكر المُنفذون هم الوسيط بين العمال والرعايا، ومن هذا المُنطلق لم تكن أوامر التنافيذ مقصورة على الجبايات فقط؛ بل اندرجت تحتها عناوين أخرى لمهام مُختلفة، فهناك تنافيذ على الأوقاف، والأخيرة يُقصد بها الأراضي والعقارات الموقوفة على المنشآت العامة، مثل المساجد، والمدارس، والآبار، والمناهل، والمباني التي على الطرقات العامة، وتعتبر تلك العقارات - كما أفاد العلامة الشوكاني - من ضمن أملاك الدولة، ولا يجوز التصرف فيها كالبيع ونحوه، وإنما تستعمل غلاتها وريعها لصالح المنشآت المذكورة، وكم سلبت أراضي مواطنين بحجة أنَّها موقوفة.
وهناك تنافيذ على المواطنين، وجلبهم بالإكراه كسخرة، وكم من طُرق عامة عُبدت، ومَرافق حكومية شيدت، ومنازل مسؤولين بُنيت، وأراضي خاصة زُرعت، بجهود وسواعد هؤلاء، وعن هذه الجزئية قال عبدالرحمن البيضاني: «وإلى جانب الضرائب ابتكر الإمام وسيلة السخرة لقضاء حاجته.. فإذا أراد إقامة بيت أو طريق أو أية مُنشأة، فإنَّه يستطيع أنْ يأمر جنوده كي يجمعوا الأهالي المجاورين لهذا العمل، ليقوموا به مجانًا دون أي أجر.. سوى السياط التي تُلهب ظهورهم..».
كان هؤلاء الرعية المساكين المغلوبين على أمرهم يُعبرون عن امتعاضهم الشديد من ذلك الوضع البائس، وذلك بترديد مهاجل ناقدة، منها: الله لا كـــــــانــــه رعـــوية مـــــا دام والـــدولة زيدية
ولا يقصد المخيال الشعبي هنا بالزيدية - كما أفاد قادري أحمد حيدر - كراهية مذهبية أو طائفية، إنما هي إشارة إلى عمق الاستبداد السياسي والاجتماعي الإمامي الذي تجرعه اليمنيون، واكتووا بناره لسنوات طويلة.