يجهد طائفة واسعة من بني هاشم انفسهم في تحريف معاني بعض آيات القرآن الكريم لتأييد ودعم مشروعهم السلالي.. مدفوعين بشهوة طاغية في السيطرة والملك واستثمار المكانة الرمزية والقدر العالي والمحبة العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم لدى المؤمنين فتارة يكذبون على الله تبارك وتعالى من خلال لي اعناق الآيات والزعم كذبا انها نزلت فيهم مستغلين الكسل العقلي لدى عموم الأمة في البحث والاطلاع والمعرفة والتحقيق.. وتارة يختلقون الروايات الحديثية ويستدلون بها رغم بطلانها..
فمن ذلك قولهم ان آية الشورى والمسماه بآية المودة (…………ِ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ ………ٌ) [سورة الشورى 23] نزلت فيهم وأنها توجب محبة قرابة النبي صلى الله عليه وسلم تديناً حسب زعمهم. ويقصدون بالقرابة الاسر والعوائل المنتسبين للسلالة الهاشمية او العلوية الفاطمية رغم ان القرابة في اساسها غير ممكنه اليوم بعد اربعة عشر قرنا.... وبغض النظر عن الاحترام والتقدير للرسول الاعظم وما يتفرع عن ذلك من خصوصية شخصية لصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم.. الا أن استدلالهم بهذه الآية وتفسيرهم لها بهذا المعنى باطل ومردود من عدة وجوه:
أولا:أن الآية ضمن سياق كله خطاب للمشركين المكذبين الظالمين في سياق طويل فتأملها { تَرَى ٱلظَّـٰلِمِینَ مُشۡفِقِینَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِی رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا یَشَاۤءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِیرُ (٢٢) ذَ ٰلِكَ ٱلَّذِی یُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِۗ قُل لَّاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن یَقۡتَرِفۡ حَسَنَةࣰ نَّزِدۡ لَهُۥ فِیهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ شَكُورٌ (٢٣) أَمۡ یَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰاۖ فَإِن یَشَإِ ٱللَّهُ یَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَیَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَـٰطِلَ وَیُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ عَلِیمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٢٤) } [سُورَةُ الشُّورَىٰ: ٢٢-٢٤] فنجد انه تبارك وتعالى افتتح الآية التي قبلها بقوله "وترى الظالمين مشفقين مما كسبوا... " وعقب عليها بالآية التي بعدها بقوله "ام يقولون افترى على الله كذبا..... " فالخطاب هنا للمشركين. فكيف يطلب من المشركين الظالمين المكذبين احترام وتقدير اقارب النبي صلوات الله عليه في حين أنهم لا يحترمون النبي نفسه ولا يعترفون بنبوته بل يحاربوه بكل اشكال المحاربة والإيذاء البدني والمعنوي. لكنها طبيعة التحريف تلوي اعناق النصوص لياً.
ثانيا: الآية مكية نزلت بمكة وكل بني هاشم وقتها كفار ما عدا طفل صغير لم يبلغ الحلم وهو علي بن ابي طالب فكيف يطالبهم ربنا سبحانه وتعالى بمودة هؤلاء الكفار واحترامهم وأي قيمة لذلك اضافة الى ما بينهم وبين بني هاشم من المنافسة الشديدة على النفوذ.. فهذا الإشكال من التحريف لا وجود له الا في خيال المحرفين من اليهود والمصابين بمرض السلالية من العلويين الفاطميين.
ثالثا:جميع علماء التفسير المعروفين والمشهورين والموثوقين ذكروا معنى آخر للآية غير الذي يردده هؤلاءالعلويون، وهو المعنى الحقيقي الذي أكده ابن عباس الهاشمي كما رواه عنه البخاري في صحيحه، وقال به ائمة التفسير المعتبرين.. وردُّوا التفسير السلالي العائلي ورفضوه حيث ذكروا ان الآية خطاب انساني لكفار قريش بمراعاة اواصر الرحم ووشائج القربى التي تربطهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فيحترموه لأجلها ويكفوا عن إيذائه وعداوته مراعاة لما بينه وبينهم من وشائج القربى ومراعاة هذه الوشائج في حال منعهم كفرهم عن مراعاة عظمة الايمان الذي يحمله وانه صلى الله عليه وسلم لا يطلب شيئا لنفسه من دعوته لهم الا انهم قومه وعشيرته ومراعاة لما بينه وبينهم من روابط القربى يبذل جهده لإنقاذهم من النار فعليهم مراعاة حق هذه القرابة التي بينهم والحفاظ على حبل المودة لأجلها.
وسأورد اقوال بعض اشهر المفسرين في تفسير هذه الآية.
أ/شيخ المفسرين ومرجعهم ابن جرير الطبري قال: المراد بالقربى : الصلة والقرابة التى تربط بين الرسول وبين كفار قريش. أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إنى لا اسألكم على التبليغ أجرا ، لكن أسألكم أن تودونى لقرابتى فيكم ، فتكفوا عنى أذاكم ، وتمنعوا عنى أذى غيركم ، وتستجيبوا لدعوتى ، فإن صلة القرابة والرحم التى بينى وبينكم توجب عليكم ذلك . فالقربى هنا : بمعنى القرابة. انتهى كلامه رحمه الله.
ب/وقال المفسر الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:
وقوله : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش : لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالاً تعطونيه ، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي ، إن لم تنصروني فلا تؤذوني، بما بيني وبينكم من القرابة . وأخرج البخاري في صحيحه واحمد والطبراني عن ابن عباس وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم - انه قال : قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم ، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم " . ولفظ البخاري ان ابن عباس قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة ، فقال : لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. وذكر القرطبي كلام طويل في تحليل معنى الآية ثم أجمله بقوله:فالقربى ههنا قرابة الرحم كأنه قال : اتبعوني للقرابة التي بيننا إن لم تتبعوني للنبوةِ . انتهى كلام القرطبي رحمه الله.
ج/ قال الرازي في تفسيره المسمى التفسير الكبير ومفاتيح الغيب: القول الأول ما قاله الشعبي انه "أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ } على ما أدعوكم إليه { أَجْراً إِلاَّ } أن تودوني لقرابتي منكم، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي."
د/ وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير في تفسيره لهذه الآية:
ومعنى الآية على ما يقتضيه نظمها : لا أسألكم على القرآن جزاء إلا أن تَوَدُّوني ، أي أن تعاملوني معاملة الوِدِّ ، أي غير معاملة العداوةِ ، لأجل القرابة التي بيننا في النسب القرشي .
و ردَّ على اصحاب التفسير السلالي القائلين بأن القربى في الآية هم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه تحريف لمعاني القرآن ومخالفة لأهل التفسير من المسلمين قائلا: (وما فسر به البعض أن المعنى : إلا أن تودّوا أقاربي تلفيق معنى عن فهم غير منظور فيه إلى الأسلوب العربي ، ولا تصح فيه رواية عمن يعتد بفهمه) انتهى كلامه رحمه الله.
وبهذا يتضح ان المعنى الذي عليه ائمة التفسير وتدعمه الروايات الصحيحة والنظم القرآني واللسان العربي؛ خطاب لكفار القريش في احترام القرابة التي بينهم وبين النبي فلا ينتهكوها، ويتضمن تعيير ضمني لهم بقلة الاحترام وقطيعة الرحم وعدم الاحسان .
رابعا:تفسيرهم السلالي يتناقض مع القرآن نفسه بأن الأنبياء لا يطلبون أجرة ولا فائدة دنيوية مقابل دعوتهم للناس فكل الانبياء حكى عنهم القرآن هذا، كما يتناقض مع الآية نفسها "قل لا أسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى" فإن زعم طلب مودة أقاربه ومحبتهم وتقديسهم ومحبة نسلهم الى يوم الدين يتناقض مع نفي طلب الأجرة والفائدة، اذا ان طلب المودة والمحبة لسلالة يعني تفضيلهم وتقديسهم وما يتبع ذلك من تمييزهم في كل شي بما فيه الملك والسلطان وهي اكبر منفعة واجرة على الاطلاق، بينما طلب مراعاة واحترام ما بينه وبينهم من القرابة والرحم واجب على الجميع، النبي وقريش، إذ إن هذا من مكارم الأخلاق ومحاسن الأمور ولو راعوها لمكنهم ذلك من الاستماع للدعوة وكف الأذى عن النبي صلى الله عليه وسلم في اسوأ الأحوال، والآية تشمل الطرفين حيث طلب مراعاتهم للقرابة والرحم وما ينتج عنه من كف الأذى، وتعليل من النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما يدفعه الى الحرص على دعوتهم ونجاتهم هو كونهم اقاربه فليس له اي مصلحة شخصية سوى مراعاة حق القرابة والرحم فدعاهم الى توحيد الله لئلا يهلكوا في جهنم.
فإذا ادركنا هذا سيتبين لنا سقوط دعوى آل الرسي وكذبهم وتضليلهم للأمة في هذه المسألة كما هو الحال في جميع مسائل التضليل التي يتبنوها ويقولوا بها .
فإن كل دعاواهم كاذبه وكل استدلالاتهم ساقطة وباطلة.